معهد التربية الحديثة المحلة الكبرى

انت غير مسجل لدينا نرحب بوجودك في منتدانا ونتمنى ان تكون واحد من اسرتنا
أ/ وليد شفيق أ/ محمد نجم
معهد التربية الحديثة المحلة الكبرى

ا/ وليد شفيق أ / محمد نجم

المواضيع الأخيرة

» مهارات التدريس الفعال
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:58 am من طرف Admin

» برنامج لتعليم الانجليزية
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:52 am من طرف Admin

» الوصف الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:47 am من طرف Admin

» رواية : العزبة .. دكتور محمد محفوظ
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:43 am من طرف Admin

» علوم ( خلايا الدم )
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:39 am من طرف Admin

» حدوتة الشاطر حسن
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:37 am من طرف Admin

» أنشودة الجوده
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:34 am من طرف Admin

» رسائل رومانسية
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:30 am من طرف Admin

» رسائل دينية
الأربعاء 26 مايو 2010, 2:26 am من طرف Admin

التبادل الاعلاني


    رواية : العزبة .. دكتور محمد محفوظ

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 10
    تاريخ التسجيل : 24/04/2010
    العمر : 45
    الموقع : star6666.yoo7.com

    رواية : العزبة .. دكتور محمد محفوظ

    مُساهمة  Admin في الأربعاء 26 مايو 2010, 2:43 am

    رواية : العزبة .. دكتور محمد محفوظ
    كتبهادكتور محمد محفوظ ، في 11 يوليو 2009 الساعة: 17:19 م
    رواية جريئة
    اقرأها .. لتتعرف على الشياطين و الصالحين و الجائرين و السناكيح
    اقرأها .. لتكتشف سر الصوت المجهول و سر الصولجان المسروق
    اقرأها .. لتعرف الحاكم و المستشار الفاجر و مستشار الخوف و مستشار إبليس
    اقرأها .. لتتعرف على النهب المنظم و ثنائية الفكر و الإرادة
    و ثنائية الثورة الشعبية و المؤامرة الانقلابية
    اقرأها .. لتعرف من هى نورجان .. وكيف انتهى بها المصير
    اقرأها .. من داخل عالم ….
    ذلك العالم الموازى
    الكائن فى الزمان بلا مكان

    رواية
    العزبة
    تأليف
    دكتور
    مـحمـــــد مـحـفــــوظ

    (….شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض ….)
    (سورة الأنعام ــ الآية 112)


    لم يدفعنى إلى هذا العالم اللامرئى ، إلا حبى للقراءة .
    ولطالما راوغت رغبتى الجامحة فى قراءة هذا النوع من الكتب ، والتى كانت تطالعنى دائماً على أرفف المكتبات ، وعند بائعى الصحف على الأرصفة .
    والمدهش .. أن هذه الكتب كانت منتشرة بأعداد ضخمة وأسعار معقولة . وكان هذا يدفعنى دائماً للتعجب . فكيف تتم مصادرة كتابات بعض المفكرين بواسطة بعض المؤسسات الدينية ؟ بينما تُترك هذه الكتب التى يختلط فيها اليقين بالخرافة ، والحقيقة بالخيال ، والدين بالدجل والشعوذة .
    وكنت دائماً أهتم بقراءة عناوين هذه الكتب . وأتأمل الرسومات على أغلفتها ، بألوانها الفاقعة الصارخة ، وملامح رسوماتها الممسوخة ذات الأنياب والقرون والعيون الحمراء . وكنت كلما هممت بالتقاط أحد تلك الكتب لأتصفحه أو لأطلع على فهرسه ، يتملكنى خوف غريزى وخجل عقلى سرعان ما يجعلانى أحيد عن تلك الرغبة . فكيف أسمح لنفسى وأنا أؤمن بثقافة العقل أن أنحدر إلى هذا الدرك من ثقافة الخرافة . وكيف أخاطر بالاتصال بعالم مجهول تماماً ، بينما أنا أعانى فى وسط عالمنا هذا رغم علمى بالكثير عن تفاصيله ودقائقه . كيف أطمئن بالمجهول ، بينما يأكلنى القلق فى الظاهر المعلوم .
    ولكن .. كما يقول المثل الدارج "الحذر لايمنع قدر" . ففى إحدى سفرياتى للقاهرة لقضاء أمر شخصي . أدى الروتين الحكومى إلى اضطرارى للإقامة بإحدى اللوكاندات حتى اليوم التالى . وفى حجرتى باللوكاندة أثناء وضع حقيبتى بالدولاب ، وجدته أمامى .. فيبدو بأن النزيل السابق بالغرفة كان قد تركه سهواً . كان كتاباً من الحجم المتوسط ، تنطبق عليه كافة مواصفات تلك الكتب من الألوان الصارخة على الغلاف ، والملامح الشيطانية . وكان عنوانه من كلمة واحدة …. "الجن" .
    * * * *
    ما اجتمعت أنا وكتاب فى مكان ، إلا وكانت ثالثتنا القراءة . ولقد كان الجو مهيأ لذلك تماماً . فوحدتى فى الغرفة ، وطول ليل الشتاء ، وإدمانى للقراءة ، دفعتنى إلى التخلى عن حذرى وخوفى وخجلى . ولم أنم إلا وكنت قد انتهيت من قراءته .
    * * * *
    أضفت إلى مكتبتى رفاً جديداً . فبالإضافة إلى رف لمؤلفات النقد الأدبى ، ورف للروايات والقصص والأشعار ، ورف للمؤلفات السياسية ، وآخر للكتابات الفكرية ، وآخر لمؤلفات الاتصال و الإعلام . فقد أفردت رفاً جديداً لكتب "عالم الجن" . ولطالما كنت أشعر بالخجل الشديد وأنا أخرج من إحدى المكتبات و فى يدى كتاب عن "عصر المعلومات" وكتاب آخر عن "الجن" . ولكن إدمانى للقراءة كان ينتصر دائماً على إحساسى بالخزى والخجل . ولو أن ذلك لم يمنعنى من الالتزام بقيد صارم آليت على نفسى عدم التفريط فيه . حيث قررت منذ الكتاب الأول ألا أنزلق إلى ساحة التجريب ، أو وفقاً لمصطلحات تلك الكتب "التحضير" . فلقد قرأت كثيراً عن تحضير الجن واستدعائه واستخدامه ، أو إخراجه من جسد الممسوس والمربوط والمسكون . ورغم شغفى بالقراءة إلا أننى لم أجد داخلى أى رغبه فى تجاوز القراءة إلى التجربة . فلقد كان عقلى يأبى أن ينزلق إلى أبعد من ذلك . وكنت أنا نفسى أرفض أن أستبدل إيمانى بالعلم بشغفى بالخرافة .
    * * *
    لا أستطيع أن أحدد بدقة متى بدأت أشعر بتلك الأشياء . ولا شك أنها بدأت مبكراً ، ولكننى كنت فى البداية لا أوليها اهتمامى ، وتتغلب مشاغلى وأفكارى عليها . ولكن بمرور الوقت بدأت أشعر بأننى مراقب . فأينما جلست أو سرت داخل المنزل كنت أشعر كأن أحداً يتبعنى أو أن عيوناً متلصصة ترقبنى وتترصد خطواتى ، ثم بدأت الأمور تتطور . فلقد كنت أشعر ليلاً أثناء النوم أن ثمة يداً تتحسسنى . وفى البداية كنت أعتقد بأننى أحلم . ولكن تكرار الأمر وتطوره إلى درجة استيقاظى لأجد نفسى عارياً ، جعلنى أدرك بأن هناك شيئاً غير عادى يحدث لى . ولقد دهمنى اعتقاد جازم بأننى جننت ، ولكن إشفاقى على نفسى جعلنى أفسر الأمر بطريقة سيكولوجية ، دفعتنى إلى الاقتناع بأننى أصبت بانفصام فى الشخصية أو بداء السير أثناء النوم . ولقد سيطر علىّ هذا التفسير السيكولوجى إلى حد شروعى فى البحث عن طبيب نفسى لأعرض عليه حالتى .
    ولكنها .. لم تجعلنى أسير فى هذا الطريق إلى النهاية ، فلقد ظهرت لى .
    * * * *
    ــ أنا …. نورجان ..
    هكذا قالت لى فى أول لحظة لظهورها . ووقتها أدركت بأننى جننت تماماً ، وأن انفصام الشخصية والسير أثناء النوم أمنيات غالية بالقياس بما أنا فيه . ولقد سمرنى الرعب فى فراشى ، وسرت رعشة بجسدى كله ، وعرفت وقتها معنى أن يقف شعر الرأس .
    ــ أنا …. نورجان ..
    هكذا قالت مرة ثانية ، إلا أننى كنت قد بدأت أشعر بدوار شديد ، وأيقنت بأننى فى طريقى لأن أفقد الوعى .
    * * * *
    تكررت مرات ظهورها . وبعد معاناة بدأ الأمر يصبح مألوفاً لى بعض الشىء . ولم أصدقها فى البداية عندما صرحت لى بأنها من الجن ، لأننى كنت قد سلمت تماماً بفكرة سقوطى فى بئر الجنون . ولكن بمرور الوقت لاحظت بأن تعاملاتى مع أسرتى ومع الآخرين لم يطرأ عليها أى اختلاف ، بالإضافه إلى أن مستوى أدائى فى العمل لم يتعرض لأى اهتزاز أو اضطراب . ولذلك بدأت أتعامل مع الأمر على أنه ظاهرة خارقة ، قد يصعب على العقل فهمها ، ولكن يمكنه التعامل معها.
    ولعل الحقيقة التى لايمكن إنكارها هى .. أنها جميلة ، بل فاتنة ، ولو أننى أدركت بعد ذلك أنها متوسطة الجمال بمقاييس عالمها . إلا أنها بمقاييسنا رائعة الجمال . ولقد أيقنت عند رؤيتى لها بأن معظم الكتب التى قرأتها عن أبناء جنسها لاتستحق إلا الحرق . وأنها لاتحوى إلا أكاذيب وخزعبلات . لأن الحقيقة الأساسية التى لايمكن إغفالها ، هى أن لغاتنا وكافة رموزنا البشرية لايمكنها أن تصف هذا الخلق المغاير . قد يمكن أن ننقل الانطباعات والمعانى ونختزلها إلى كلمات . لكن الأوصاف لايمكن بأى حال أن نجد لها فى لغاتنا أو رسوماتنا أية كلمات أو مراد فات أو ملامح أو ألوان . إنها أوصاف ليس لها شبيه فى عالمنا المعروف … عالم البشر .
    * * * *
    كان الجنس أحد المعالم الهامة فى علاقتنا ، ولكنه لم يكن كل شىء فيها . فقد كان مجرد حضورنا معاً يمنح كلينا إحساساً مفعماً بالدفء والأمان . هل هو الاختلاف التام فيما بيننا الذى يجعل عمر الدهشة بلا نهاية ؟ فيتجدد دائماً الشعور بالانبهار الذى يقضى على أى مشاعر بالملل .. لا أدرى , ولكن الجنس أيضاً كان شيئاً مغايراً . لايمكننى الوصف ، فهو فعل يختلف تماماً عما يمارسه البشر . ولكنه كان يتمثل فى إحساس جارف بالانغماس فى لذة طاغية ، تمنح النشاط والحيوية أكثر مما تجلب الوهن والخمول . كأنها نوع من ممارسة الحياة بشكل أفضل ، بل هى أفضل الأشكال . ولذلك كانت فترات الصمت تطول بيننا ، أكثر كثيراً من فترات الاتصال . ولعلنى أقول الاتصال ، لأنه كان تخاطباً من نوع غريب . فكل منا يتحدث لغته ولكن الآخر يفهمه ، كأن مترجما يجلس بيننا فيترجم لها لغتى ويترجم لغتها لى . ولكن رغم ندرة جلسات حديثنا ، إلا أننى كنت دائماً أحاول التقاط كل ما يمنحنى المزيد من المعرفة عن عالمها وأحداثه وأحواله . ولقد فهمت منها بأن عالمهم لايوجد تحت الأرض كما يعتقد بعض البشر ، ولا على سطحها ، ولا أعلاها أو أسفلها ، أو حتى بجوارها أو بعيداً عنها على كوكب آخر . ولكنه عالم موازٍ ، يوجد فى الزمان ولا يوجد فى المكان . ولقد أثارت مسألة الفصل بين الزمان والمكان بيننا جدلاً سفسطائياً . فكل مناحقاً يفهم لغة الآخر . ولكنه لايفهم رموزها ولا خلفياتها الاجتماعية والفلسفية ، أو حتى قوانينها الطبيعية والوضعية . ولكن بمرور الوقت بدأ كلانا يدرك بأنه لاسبيل إلى فهم ما هو فوق الفهم , وبدأنا نكتفى بروعة مواجهة الجديد واللامعقول .
    ولكن يوماً بعد آخر ، بدأت أتوق إلى رؤية هذا العالم الذى أسمع عنه منها فقط ، ولا أراه إلا بعين خيالى . ولقد ترددت كثيراً قبل أن أصارحها برغبتى هذه ، وذلك لشكى فى جواز حدوث ذلك أصلاً ، ولخوفى من تأثير ذلك حال حدوثه على بنيتى الإنسانية . ولكن رغبتى غلبت ترددى وصارحتها بذلك , فعبَرت عن ترددها بعض الشيء ، لخوفها من انكشاف أمر علاقتها بى وسط أبناء جنسها . ولكننى تعهدت لها بأننى سألتزم بكافة محاذيرها . لخوفى عليها أولاً ، ولرغبتى الصادقة فى استمرار علاقتنا ثانياً .
    * * * *
    اختلقت رواية عن رحلة سفر ينبغى قيامى بها ، لأبرر غيابى لأسرتى . وتقدمت بطلب للحصول على إجازة من العمل . وكنت كلما اقترب الموعد الذى حددناه لانتقالى معها إلى هناك ، ينتابنى إحساس بالهلع ، سرعان ما يجعلنى أقرر ضرورة إلغائى لهذه المغامرة المجهولة التى أقامر فيها بحياتى. ولكننى كلما التقيت بنورجان أجدنى أخجل من إظهار خوفى أمامها وأتجاهل تماماً ما عزمت عليه من قبل .
    ولقد مرت الأيام سريعاً . ووجدتنى وجهاً لوجه مع ذلك اليوم الموعود وأسقط فى يدى ، فلم يعد هناك مفر ، ولم يبق لى إلا الظهور بمظهر المتماسك المقدام . وأخذت أبرر لنفسى بأن مواجهة المجهول لكشف غموضه وأسراره تستحق كثيراً من المغامرة والمقامرة . ومادامت قد انقطعت كل خيوط التراجع، فليس أمامى إذن إلا الارتحال لاستكناه غيب ذلك الكائن فى الزمان بلا مكان . الارتحال إلى… عالم الجن .
    * * * *
    ما إن صافحت نفسى واقع هذا العالم المحجوب ، حتى أدركت مدى قصور الخيال الإنسانى. ومحدودية العقل البشرى فى قدرته على الهروب من الواقع المحيط للتحليق فى عالم الخيال . وانغماس فرشاة الرؤية الإنسانية فى ألوان الأرض وترابها فلا تبتكر خطوطها إلا تكرارات ممسوخة من الأصل الخلاب . ولقد مرت بمخيلتى أعظم منجزات السينما العالمية فى مجال الخيال العلمى ، وأخلد الملاحم الأدبية الأسطورية . وحاولت مقارنتها بهذا العالم العجيب ، فكانت أشبه بخيال شاحب باهت تخترقه الأنظار ، وسط تكوين حقيقي صارخ الأوصاف والملامح ، حاد الجوانب والقسمات ، فاقع الألوان والظلال ، نابض بالقوة والروعة والجلال .
    إن الأرض تجذبنا فلا نرى أبعد من تحت أقدامنا ، والواقع يحاصرنا كفقاعة صابون لانرى إلا صورتنا المنعكسة على جوانبها اللامعة ، بينما الكون من خارجها يموج باللامعقول واللاموصوف .
    يمكننى نقل الانطباع , يمكننى نقل المعنى , ولكننى أعجز عن الوصف ، فاللغة وعاء لما نعرفه، وعاء يتفتت عند مواجهته لغير المعروف .
    ولقد غمرنى هذا العالم المحجوب بلا معقولية تفاصيله ودقائقه ، فوجدتنى أغوص فى إحساس دافق بالدهشة ، دهشة تختزل كل تفكير وتحوِّل العقل إلى كتلة هلامية تختزن الصور والمرئيات ، ولا تمتلك أية قدرة على الاستدلال والمقارنة والتحليل والاستنباط . كما اكتشفت أننى لم أعد أتذكر أى شىء عن عالمى ، فذاكرتى انمحت تماماً ، ولم أعد أدرك إلا أننى غريب عن هذا العالم الجديد ، ولكننى ابن لعالم قديم ومألوف أصبحت لا أتذكر عنه شيئاً .
    ولقد سارعت نورجان بانتشالى من ذهولى ، بإفهامى بأن عقلى البشرى لايمكنه أن يستوعب كل هذا الجديد وغير المألوف دفعة واحدة ، بدون أن يتخلص تماماً من كل القديم المعهود . ولن يطفو عالمى البشرى على سطح ذاكرتى ثانية ، إلا بعد استيعابى لتفاصيل هذا العالم الجديد . ولكن بمجرد استردادى لذاكرتى البشرية ، فإننى سأنتقل مرة أخرى إلى عالمى البشرى خلال وقت قصير .
    ولقد أراحنى هذا التفسير . فتأهبت لفتح أبواب ذاكرتى الفارغة على مصراعيها لتستوعب هذا الفيضان الهادر لعالم تدب فى كافة أوصاله حياة مجهولة ، حياة لا أدرى ــ حتى الآن ــ عن كنهها شيئاً .
    * * * *

    الأحوال
    ما إن حللت بهذا البلد ، وجبت أقطاره ، إلا وقد أحطت بمجمل أحواله دون التفاصيل . فثمة جو ثقيل خانق يخيم على الأنحاء وينشر ذيوله فى الزوايا والأركان . بينما يبدو الانكسار وتظهر المذلة كأحجار ثقيلة معلقة فى أعناق الرائحين والغادين . ويقفز الذهول كمطرقة تضرب كل الوجوه فينطلق الشرود كحبل طويل من العيون يلف كل عابر وكل مقيم .
    ولقد أحاطت الفوضى بكل شيء . فلا معنى للنظام أو الالتزام . فالأمور تسير وفقاً لقواعد عشوائية لا يحكمها إلا التسيب والإهمال .
    ولقد أدركت بأن للفقر ملامح لا تخطئها النفس الذكية رغم اختلاف العوالم والأحوال . فلقد أقام الفقر دولته فى هذه البقاع ، وسيطرت الفاقة والحاجة على النفوس ، حتى صار الكل يتقاتل من أجل النجاة من الموت جوعاً … ولكن وسط كل هذا الشقاء تتناثر هنا وهناك أبهة وفخفخة تصدم العقول ، وتتجاوز كل حدود الممكن والمتاح ، فكأن أصحابها زهزهت لهم الدنيا ، وهم لا يقنعون إلا بالمزيد والمزيد .
    وعلمت من نورجان بأن هذا البلد يقع فى وسط هذا العالم ، الذى تمتاز أطرافه الزمانية الشمالية والغربية وبعض الجنوبية والشرقية بالقوة والتقدم والرفاهية . بينما يسيطر التخلف والضعف والفقر على بلدان أزمان الوسط والجنوب والشرق . ويبرر الشياطين تردى أحوال تلك البلدان لسابق استعمارها من دول الأطراف . بينما يقرر الصالحون بأن خيرات الله ونعمه ــ بتلك البلدان ــ لو تم توزيعها بالعدل لعاش الكل فى بهجة ونعيم .
    وسردت لى نورجان التاريخ المعاصر لهذا البلد ، الذى كان فى السابق تحت حكم النظام الملكى . إلى أن تمكن مجموعة من الثائرين من تدبير تمرد أطاح بالملك ، وتحولت البلاد إلى الحكم الجمهورى . وأصبح قائد هذا التمرد بمرور الوقت بمثابة رمز محزن للثورى الطاهر الذى أفسدته السلطة . فانقلب على كافة رفاقه ومعاونيه ، ورفض تسليم الحكم للصالحين ، وركز كل السلطات بين يديه، وزج بالبلاد فى عدة حروب ومغامرات وعداوات ، أزهقت الأرواح ، والتهمت الأرزاق ، حتى صار الصالحون يطلقون عليه فى أواخر أعوام حياته وبعد مماته " مستشار إبليس" . وورث الحكم من بعده تلاميذه وعصبته ، فحولوا البلد إلى تركة ينهبون خيراتها ، ويوزعون على العباد شرورها . واستمرت الأحوال حتى تسلم مقاليد الأمور الحاكم الحالى ، والذى وإن اختلفت وسائله وطرقه ، فإن محصلة حكمه ما كانت إلا امتداداً لسلسال واحد تشعب بخفاء فى كافة مؤسسات الحكم والسلطة ، وحين تنبه الصالحون ، كانت البلد بالكامل قد سقطت فى قبضة الشياطين الذين تحلقوا حول المناصب حتى لاينفذ إليها أحدٌ غيرهم ، وإن سارت الأمور أحياناً على غير ما يشتهون ، ودانت الأمور لأحد الصالحين ، فسرعان ما كانوا يدبرون له المكائد والمؤامرات ، حتى يخرج من منصبه بفضيحة تظل تلاحقه إلى آخر الزمان .
    وشرحت لى نورجان كيف توصلت بلدان الأطراف الزمانية المتقدمة إلى نظرية فريدة لنظام الحكم، تتيح لكافة القوى المجتمعية إمكانية الوصول للسلطة ، من خلال أسلوب الانتقاء أو الاختيار أو الانتخاب الحر. ولكى يتم ذلك الانتخاب فى إطار كامل من الحرية والاستقلالية ، توصلت تلك النظرية إلى ما يسمى بدولة المؤسسات ، وتمثل تلك المؤسسات كافة الأفرع الرئيسية التى ينتظم منها بناء أية دولة ، فهناك المؤسسة الشعبية التشريعية ، ومؤسسة القضاء والعدل ، ومؤسة الحكم والإدارة ، وأخيراً مؤسسة الإعلام التى أفرزتها العقود الأخيرة نتيجة تقدم وسائل الاتصال . وتمارس كل من تلك المؤسسات دورها فى الرقابة على المؤسسات الأخرى، وهدفها النهائى هو تحقيق الرفاهية للشعب ، والذى بدونه ما كانت لتوجد الدولة . فأى قرار أو هدف لا يرعى مصلحة الشعب هو فى مضمونه خيانة لآماله وتطلعاته ، ولا يسعى إلا لخدمة مصالح صانعيه . وبذلك أصبح الحكم فى الدول المتقدمة حكماً مقيداً غير مطلق ، لايقتصر على فئة معينة أو طبقه معينة أو اتجاه سياسى معين . فهو حكم من يختاره الشعب ليحقق ما يريده الشعب بواسطة الشعب .
    وقد استعارت بعض دول أزمان الوسط والجنوب والشرق هذا النظام الفريد . ولكنها طبقته كشكل أجوف بلا مضمون . فالانتخاب الحر تحول فى تلك الدول إلى انتخاب موجه يتم من خلال التلاعب بإرادة الناخبين . والمؤسسات التى تراقب بعضها البعض تحولت إلى مؤسسات تتواطأ مع بعضها البعض لخدمة مصالح الفئة الحاكمة . وتوارت مصلحة الشعب وآماله أمام مصلحة رموز السلطة ورغباتهم ، حتى أصبح نظام الحكم فى تلك الدول صورة معدلة من صور الحكم المطلق الذى يقتصر على فئة معينة ، ولا سبيل إلى انتقال الحكم منها إلى أية قوة مجتمعية أخرى بالوسائل السلمية . ولذلك بزغت بتلك البلدان جماعات الجائرين كتنظيمات سياسية مسلحة ، تدبر الاغتيالات السياسية وتمارس العنف بهدف الإطاحة بالسلطة .
    …. اتهمتُ نورجان بعد كل ما سمعته منها بالتشاؤم . فالأوضاع فى بلدها لا يمكن أن تكون بمثل هذا السوء وتلك البشاعة . ولا شك بأن ما لاحظته بنفسى من فاقة وفقر ، يرجع إلى أسباب وظروف متداخلة و متعددة ، وليس إلى مجرد فساد السلطة ، وصارحتها بأننى لن أقتنع إلا بما يؤكده لى تحليلى الذاتى وتجربتى الشخصية ، لأننى أعتز باستقلالى الفكرى ولن أستسلم لمجرد تحليلها الخاص للأمور . والحق أننى قلت ذلك بلسانى فقط ، لكى أظهر أمامها بمظهر المفكر الحر صاحب الرؤية . ولكننى بداخلى كنت مقتنعاً بصحة كل ما قالته رغم أننى لم أعاينه بنفسى . فثمة شعور دفين كان يطفو بين الحين والآخر إلى سطح عقلى ، ليؤكد لى بأننى عشت يوماً ما هذه الظروف والأحوال من قبل ، وإننى كنت أردد يوماً ما نفس تلك الأراء والأفكار ، ولكننى لا أتذكر متى كان ذلك ، ولا أين ؟ فلقد أصبحت غريباً فى عالم جديد ، أعرف ــ كلما مر الوقت ــ عنه شيئاً ، بينما عالمى القديم الذى جئت منه، أصبحت لا أذكر منه شيئاً .
    * * * *
    الحاكم
    ما يتردد عن سيرته الذاتية والعملية ، وعن قدراته الذهنية والجسدية ، وكفاءته القيادية والإدارية ، وعلاقاته الأسرية والشعبية ، كلها محض أكاذيب , تروجها كتائب الإعلام التابعة لجهاز الحكم. والتى تستخدم أحط الأساليب الشيطانية للوصول إلى مآربها , وتقوم سياستها القذرة فى بناء السيرة الذاتية للحاكم على جمع حقائق صغيرة جداً وخلطها بأكاذيب كبيرة جداً ، بحيث تصبح الحقائق الصغيرة دليلاً على صدق الأكاذيب الكبيرة . وباستخدام أساليب التكرار والتذكير والمطاردة والملاحقة اليومية للعقول ، واصطناع المواقف والقصص وردود الأفعال ، تتحقق بمرور الوقت السيادة للسيرة المصطنعة ، بينما تتوارى فى الخفاء السيرة الحقيقية .
    ولكن لأن المعرفة قوة . ولأن المعلومة الخطيرة تضفى على ناقلها مهابة وجلالاً .فإن صانعى الأكاذيب أنفسهم هم مسربو الحقائق . ولئن تم ذلك فى أضيق نطاق ، داخل حجرات النوم على صدور المومسات والغوانى ، أو على ظهور الشواذ والمراقيع . إلا أن ذلك يتيح دائماً للحقيقة أن تظل على قيد الحياة ، ولكن لا يكتب لها الانتشار إلا بعد رحيل الحاكم وزوال عصره وسلطانه .
    ولقد علمت من نورجان بأن أصوله المتواضعة والتى تصورها دائما كتائب إعلامه باعتبارها مدعاة للفخر والزهو ، كرمز للكفاح والعزيمة والقدرة على ارتقاء سلم المجد من القاع حتى قمة السلطة ، تلك الأصول تمثل أحد نقاط الضعف الخطيرة فى سيرته الذاتية . فلقد كان والده مرتشياً يتاجر بحقوق العباد التى بين يديه بحكم عمله كموظف صغير فى جهاز تابع للدولة . وتمكن بفضل خدماته غير الشرعية لبعض المقربين والمنتفعين فى زمن الملكية ، من أن يضع ابنه على أول الطريق الذى يتيح له الانتقال لطبقة أخرى . كما استثمر أيضاً صلاحياته هذه فى زمن الجمهورية لتدعيم مستقبل ولده ، حتى تمكن من إسناد أول منصب قيادى له فى مجال عمله . ولقد كان هو يبارك دائما ما يفعله والده ، لإدراكه لمدى أهمية ذلك كوسيلة [u]

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 15 ديسمبر 2017, 6:13 am